
لم يعد الصراع في اليمن مجرد حرب داخلية أو تنافس على السلطة، بل تحول إلى إحدى أبرز ساحات التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط حيث تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية مع أمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة في ممرات حيوية تمتد من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وخليج عدن و مضيق باب المندب. ومع تصاعد التوتر والضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران التي تضرب الدول العربية فقط، وزيادة التهديدات للملاحة الدولية بعداً أوسع واعمق، مما اكسب الملف اليمني أهمية استراتيجية متزايدة و أصبح مستقبل اليمن ليس مرتبطاً بموازين القوى الداخلية، ولكن كذلك بمسارات التوازنات الإقليمية والدولية الأوسع نطاقاً. هناك متغيرات جديدة تعيد تشكيل ديناميكيات الصراع في التطورات الأخيرة، خاصة التصعيد العسكري المرتبط بمطار صنعاء والردود المتبادلة، والضربات العسكرية الأمريكية داخل ايران و الرد الايراني بضرب دول الخليج العربي والاردن واخيرا في سوريا كما اعلنت ايران من قصف منطقة التنف السورية و كل ذلك يشير إلى دخول الملف اليمني مرحلة حساسة جديدة، و لم تعد هذه الأحداث مجرد وقائع ميدانية معزولة، بل أصبحت جزءاً من صراع إقليمي أشمل يتعلق بالنفوذ وأمن الممرات البحرية. وأصبح مضيق باب المندب ليس مجرد ممر جغرافي، بل أحد أهم مفاتيح الأمن الاقتصادي العالمي، مما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بالساحة اليمنية. ميزان القوة: النوعية أهم من العدد لا يمكن اختزال ميزان القوى في اليمن إلى مجرد تعداد المقاتلين، إذ إن الأرقام المعلنة غالباً ما تكون مبالغاً فيها أو مضللة. العوامل الحاسمة تشمل: قدرة القيادة والسيطرة، مستوى الانضباط والجاهزية، كفاءة إدارة العمليات المشتركة، والقدرات اللوجستية. تمتلك القوات الحكومية قاعدة بشرية واسعة وتشكيلات عسكرية متنوعة، بينما يعتمد الحوثيون على قيادة مركزية أكثر تماسكاً، وخبرة متراكمة في الحرب غير النظامية، إضافة إلى قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وأساليب تهديد بحري تمنحهم قدرة ردع تتجاوز حجمهم العددي. هذا التباين يجعل تقييم ميزان القوى أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح. الحرب الأمريكية-الإيرانية: المتغير الأكثر تأثيراً يمثل التصعيد بين واشنطن وطهران أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل الصراع اليمني. من جهة، قد يؤدي الضغط العسكري والاقتصادي على إيران إلى تقليص دعمها للحوثيين، مما يضعف قدراتهم العسكرية. ومن جهة أخرى، قد يدفع التصعيد الإقليمي الجماعة إلى زيادة عملياتها كجزء من استراتيجية الرد غير المباشر، مما يجعل التأثير مزدوجاً وغير خطي. الحسابات السعودية والدولية تبقى المملكة العربية السعودية اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيراً، لكن قراراتها تخضع لحسابات معقدة تشمل أمن الحدود، حماية المنشآت الحيوية، أمن الملاحة في البحر الأحمر، وتجنب التورط في حرب استنزاف طويلة الأمد. أما الولايات المتحدة وحلفاؤها، فيتركز اهتمامهم بشكل أساسي على حماية حرية الملاحة وتقليص التهديدات البحرية. ولا توجد حتى الآن مؤشرات قوية على توافق دولي واسع لدعم عملية برية شاملة واسعة النطاق. معضلة صنعاء والمرحلة الانتقالية يظل مستقبل صنعاء أكثر تعقيداً من مجرد تحقيق تقدم عسكري. فأي تغيير في ميزان القوى يتطلب رؤية سياسية وأمنية وإدارية متكاملة لمرحلة ما بعد الصراع، تضمن استعادة مؤسسات الدولة، منع الفراغ الأمني، وتجنب انهيار الاستقرار. هذا التحدي قد يكون أصعب من العمليات العسكرية نفسها. السيناريوهات المستقبلية المحتملة تشير التحليلات الجيوسياسية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة: السيناريو الأول (الأكثر احتمالاً حالياً): استمرار الضغوط العسكرية والسياسية المحدودة والمستهدفة لتقليص القدرات التي تهدد الملاحة الدولية، مع الحفاظ على مسارات التفاوض مفتوحة. السيناريو الثاني: تصاعد المواجهة الإقليمية (خاصة الأمريكية-الإيرانية) ينعكس على اليمن بزيادة الضغوط أو تغيرات في موازين القوى الميدانية، دون الانتقال بالضرورة إلى حملة برية شاملة تدمر اليمن و لا تؤدي الى حسم عسكري شامل ومستقر. السيناريو الثالث: حدوث تحول سياسي أو ميداني نوعي يعيد رسم المشهد، لكن توقيته وشكله يظلان مرهونين بتفاعل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، وقدرة الأطراف اليمنية على إدارة المرحلة الانتقالية بفعالية. و الخلاصة ان اليمن اليوم أمام مرحلة مفصلية صعبة قد تعيد تشكيل مسار الصراع، ومع ذلك، لن يحدد مستقبل البلاد القوة العسكرية وحدها، بل ستحدده أيضاً طبيعة التوازنات الإقليمية، مواقف القوى الدولية، وقدرة النخب والاحزاب اليمنية على بناء مشروع دولة وطنية قادرة على استيعاب أي تحول في موازين القوى وتحقق الاستقرار و العدالة والإنصاف و المواطنة المتساوية و توزيع الثروة و السلطة بين ابناء اليمن بدون امراض مناطقية او سلالية مريضة في ضل حكم اتحادي متوازن و عادل. لذلك، لم يعد السؤال الأهم: «هل تقترب معركة صنعاء؟»، بل أصبح: «هل يستطيع أي تحول ميداني أن يؤدي إلى استقرار سياسي مستدام وبناء دولة قادرة على استعادة سيادتها ومؤسساتها؟ أم أن اليمن سيبقى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية؟» الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير اليمن خلال السنوات المقبلة أكثر من أي معركة منفردة. فاستدامة السلام لا تتحقق بالحسم العسكري فقط، بل ببناء مؤسسات دولة قوية قادرة على فرض الاستقرار، استعادة الشرعية، تحقيق التنمية، وإعادة دمج اليمن في محيطه العربي والإقليمي.
للاطلاع على التفاصيل الكاملة يمكن زيارة المصدر الأصلي.
المصدر: الساحل

إرسال تعليق