
منذ سنوات يعيش اليمن واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث، انقلاب على شرعيته الدستورية ، وحرب أنهكت الاقتصاد، وأضعفت مؤسسات الدولة، ودفعت ملايين اليمنيين إلى دائرة الفقر والنزوح والاعتماد على المساعدات الإنسانية. وفي ظل هذا الواقع المأساوي تبرز بين الحين والآخر خطابات وتصريحات تنذر بتوسيع دائرة الصراع، بما في ذلك إعلان مواجهة عسكرية مباشرة مع المملكة العربية السعودية تحت شعارات مختلفة تطلقها المليشيات الحوثية المدعومة ايرانياً من بينها "الحصار مقابل الحصار” و" التصعيد مقابل التصعيد ". إن أخطر الحروب تلك التي تسبقها حملة طويلة لإقناع الناس بأن الحرب هي الطريق الوحيد إلى الخلاص. والسؤال الذي ينبغي أن يسبق هذه الحماسة والخطابات والشعارات هو: ماذا لو تحولت هذه التهورات إلى حرب فعلية؟ هذا ليس سؤالاً عابراً نضعه في هذا المقال لشد الانتباه، هو سؤال مصيري فاليمن لا يدخل أي حرب جديدة من نقطة الصفر وإنما يدخلها باقتصاد منكمش، ومؤسسات منهكة، وخدمات متدهورة، وملايين يعتمدون على المساعدات. وأي اضطراب جديد في الموانئ وطرق الشحن والتجارة لن يقع أثره على أصحاب المنابر النارية واصحاب الصرخات القتالية سينعكس على سعر كيس الدقيق، ودواء المريض، وقدرة الأسرة على إطعام أطفالها.
دعونا نستعين باخر التقارير الدولية لدعم هذا المقال فالتقارير الاممية الموثقة تفيد بأن الاقتصاد اليمني انكمش بأكثر من النصف منذ بداية ما تسميه الصراع في اليمن فيما لا تعمل بصورة كاملة سوى قرابة 59 %من المرافق الصحية. من هنا يجب أن نفكك المعادلة قبل أن ننقاد خلفها هل يوجد "حصار شامل" فعلاً على اليمن؟ وهل السعودية بالخصوص وراء فرض حصار خانق على البلاد؟
إن آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش في اليمن تنشر بصورة دورية أعداد السفن التي حصلت على تصاريح، والسفن التي أبحرت، وكميات الشحنات التي أُفرغت في الموانئ الواقعة على البحر الأحمر. وكانت تقاريرها الشهرية مستمرة حتى يونيو 2026م بما يثبت وجود حركة تجارية وآلية أممية لإصدار التصاريح ودخول الشحنات وإن ظلت الحركة عرضة للاضطراب بفعل الحرب والمخاطر الأمنية. كما أظهرت تقارير الرصد الاقتصادي أن واردات الغذاء إلى اليمن استمرت عبر موانئ البحر الأحمر والموانئ الحكومية، وارتفعت الواردات الغذائية عبر موانئ البحر الأحمر الخاضعة للحوثيين بنسبة 72 % وأكد التقرير نفسه أنه لم يحدث، خلال الفترة التي تناولها، انقطاع في واردات الوقود بسبب أزمة البحر الأحمر. أما مطار صنعاء فقد عادت الرحلات التجارية الدولية منذ عام 2022م ، واستمرت إلى وجهات خارجية ، وإن تعرض المطار لاحقاً لأضرار وتوقفات متقطعة بسبب التصعيد العسكري والاستيلاء على مخصصات الناقل الجوي الرسمي وتدمير طائرات البلاد في مغامرات الحوثي غير محسوبة وفتح المجال الجوي لأغراض متعلقة بالخبراء والأسلحة والرحلات بين طهرن وصنعاء وكان اخرها ما حدث من اختراق للأجواء اليمنية عبر طيران "ما هان إير" الإيرانية ، ولذلك فإن الوصف الدقيق ليس وجود "حصار " لا تدخل معه سفينة ، ولا تقلع طائرة ولكن وجود جماعة مسلحة سلمت قرارها لدولة لا ترتبط باليمن لا تاريخا ولا جغرافيا ولا حتى لغة مشتركة او مصالح تجارية او جالية عريضة. هذا الفارق ضروري أن يفهمه الناس لأن تشخيص المشكلة بصورة زائفة يقود حتماً إلى وصفة أكثر زيفاً. فإذا كانت السفن تدخل، والبضائع تصل، والتصاريح تصدر والرحلات تعمل حين تسمح الظروف الأمنية، فهل تحتاج المشكلة إلى صواريخ على السعودية وإغلاق باب المندب؟ أم تحتاج إلى تسوية سياسية، واستقرار أمني، وإدارة مسؤولة للموانئ والإيرادات، وضمان حرية حركة المواطنين والتجارة؟
للاطلاع على التفاصيل الكاملة يمكن زيارة المصدر الأصلي.
المصدر: الساحل

إرسال تعليق