بحث هذه المدونة الإلكترونية


أعلنت مليشيا الحوثي، رفع الجاهزية القتالية لما تُسمى "قوات التعبئة العامة" التابعة لها، لرفد جبهات القتال بالمقاتلين، وسط مؤشرات على استعداد الجماعة لشن جولة جديدة من التصعيد العسكري تشمل ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وذكر بيان صادر عن "قوات التعبئة الحوثية"، نشرته وسائل إعلام تابعة للجماعة، أن "مئات الآلاف من العناصر المسلحة والموزعين على مئات الألوية الشعبية، باتوا في حالة جاهزية كاملة وفورية لتنفيذ توجيهات زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، لمواجهة من وصفتهم بـ(قوى العدوان)".

وأشار البيان إلى أن "عمليات التدريب والتأهيل والتشكيل العسكري لا تزال مستمرة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد نشاطاً أوسع لمواجهة أي تطورات ميدانية".

ويأتي هذا الاستنفار العسكري بعد أيام قليلة من تهديدات أطلقها زعيم الجماعة، لوّح فيها بالعودة إلى خيار التصعيد العسكري تحت شعارات "استعادة الثروات وانتزاع الحقوق"، في وقت تفيد فيه تقارير متطابقة بإعداد الحوثيين لبرنامج تصعيد بحري جديد يستهدف حركة السفن التجارية، مما يثير مخاوف إقليمية ودولية من تقويض جهود السلام الهشة في البلاد.

وفي هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في شؤون مليشيا الحوثي، "عدنان الجبرني"، أن بيان قوات التعبئة العامة لا يمكن فصله عن ترتيبات تصعيدية أوسع تعمل الجماعة على إعدادها خلال المرحلة الحالية.

وأوضح في منشور على منصة "فيسبوك" تابعته "الهدهد" أن لدى الحوثيين "مصفوفة تصعيد جاهزة" تهدف، بحسب تقديره، إلى ممارسة ضغوط على التحالف العربي بقيادة السعودية وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية من خلال التلويح بخيارات عسكرية وأمنية متعددة.

وعن خلفيات الإعلان الحوثيين يرى "الجبرني"، أنه لا يمكن قراءته بمعزل عن سلسلة من المؤشرات التصعيدية التي برزت خلال الأيام الأخيرة، مشيراً إلى أن الخطوة جاءت بعد تصريحات لعبد الملك الحوثي لوّح فيها بالتصعيد العسكري تحت شعار "استعادة الاستقلال والثروات وانتزاع الحقوق".

وبحسب "الجبرني"، فإن الجماعة تمتلك خلال الفترة الراهنة "مصفوفة تصعيد جاهزة" تستهدف ممارسة ضغوط على التحالف العربي بقيادة السعودية، موضحاً أن الحوثيين يتبعون سياسة التصعيد التدريجي عبر إطلاق مواقف وبيانات متتابعة واختبار ردود الفعل عليها قبل الانتقال إلى خطوات أكبر.

وأشار إلى أن هذا النهج لا يعني بالضرورة أن الجماعة تسعى فقط إلى الابتزاز السياسي، بل إنها، وفق تقديره، تواصل الاستعداد لسيناريوهات مواجهة داخلية محتملة، بالتوازي مع تحركاتها الإقليمية.

وأضاف أن معلومات خاصة تشير إلى وجود برنامج تصعيد حوثي محتمل في البحر الأحمر يستهدف بعض السفن التجارية، لكنه لا يشمل السفن الأمريكية أو الإسرائيلية، في خطوة قد تسعى الجماعة من خلالها إلى توسيع أدوات الضغط دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع القوى الدولية.

وذكر الباحث "الجبرني" أن قوات "التعبئة العامة" تعد أحد التشكيلات التي استحدثها الحوثيون خلال السنوات الأخيرة، وتوصف بأنها نموذج مستنسخ من قوات "الباسيج" الإيرانية، حيث تقوم على تنظيم وإحصاء المؤيدين للجماعة داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، وإخضاعهم لدورات فكرية وتدريبات محدودة على استخدام الأسلحة الخفيفة.

وأشار إلى أن هذه التشكيلات لا تُصنف كقوات عسكرية نظامية أو قتالية بالمعنى التقليدي، لكنها تمثل احتياطاً بشرياً يمكن للجماعة الاستفادة منه في أوقات التعبئة والحشد.

ولفت إلى أن هذا الكيان بُني على أنقاض ما كان يعرف بـ"المجلس التنفيذي" التابع للجماعة، قبل أن يصدر عبد الملك الحوثي في يناير/كانون الثاني 2024 قراراً بإعادة هيكلته تحت اسم "مكتب التعبئة"، مع توسيع مهامه وصلاحياته.

وبحسب "الجبرني"، تشكلت قوات التعبئة خلال العامين الماضيين مستفيدة من حالة التعاطف الشعبي الواسعة مع القضية الفلسطينية والحرب الإسرائيلية على غزة، إذ رفعت الجماعة شعارات "نصرة فلسطين" و"دعم غزة" كغطاء لعمليات الاستقطاب والتجنيد.

ويرى أن الجماعة نجحت عبر هذا الخطاب في استقطاب أعداد كبيرة من المؤيدين والمتعاطفين، لكنها قد تتجه لاحقاً إلى توظيف هذه التشكيلات كرافد بشري لقواتها العسكرية في حال قررت خوض جولة جديدة من المواجهات داخل اليمن.

إلى ذلك حدد الباحث 3 دوافع رئيسية تقف خلف هذا التصعيد، أولها، ما يصفه بحالة الاحتقان والصراعات الداخلية داخل بنية الجماعة، والتي وصلت -بحسب قوله- إلى مستويات قيادية عليا، الأمر الذي قد يدفع عبد الملك الحوثي إلى البحث عن معركة خارجية أو داخلية تعيد توحيد صفوف الجماعة وتخفف من حدة الخلافات.

أما الدافع الثاني، وفق "الجبرني" فيتمثل في شعور الجماعة بأنها خرجت بمكاسب سياسية ومعنوية بعد التطورات الإقليمية الأخيرة ومواقف إيران وحلفائها، وهو ما يمنحها، من وجهة نظرها، فرصة مناسبة لتحقيق مكاسب إضافية كانت تؤجلها خلال العامين الماضيين.

في حين يتمثل الدافع الثالث في اعتقاد قيادات الحوثيين بأن المواجهة مع الحكومة اليمنية ودول الجوار تبقى مسألة وقت، سواء حدثت في المدى القريب أو البعيد، الأمر الذي يدفع الجماعة إلى تعزيز جاهزيتها العسكرية والبشرية تحسباً لأي تطورات قادمة.

وفي قراءة أخرى للأوضاع الاقتصادية داخل مناطق سيطرة الجماعة، يستبعد الباحث المتخصص في شؤون الحوثيين، "عدنان الجبرني"، أن تكون الأزمة المالية التي تتحدث عنها الجماعة ناتجة عن تراجع الموارد أو جفاف مصادر التمويل، معتبراً أن السبب الرئيسي يعود إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو الاستعدادات العسكرية.

وأوضح الجبرني أن قيادة الجماعة، وبقرار من زعيمها قامت خلال الفترة الماضية بتحويل جزء كبير من الموارد المالية إلى القطاعات والمناطق العسكرية، في إطار التحضيرات لما يصفه بـ"الحرب المقبلة".

ويشمل ذلك، بحسب تقديره، زيادة الإنفاق على برامج التصنيع العسكري وعمليات التهريب وتأمين المواد اللازمة لتعزيز القدرات التعويضية للجماعة خلال أي مواجهة محتملة وبعدها.

ويرى أن موارد الجماعة لم تشهد تغيرات جوهرية خلال الفترة الأخيرة، لكن الذي تغير هو أولويات الإنفاق لدى قيادة الحوثيين، والتي باتت تركز بصورة متزايدة على الجوانب العسكرية والأمنية على حساب الملفات الخدمية والمعيشية.

ويضيف أن عبد الملك الحوثي ينظر إلى الصراع العسكري باعتباره خياراً دائماً وأداة رئيسية لإدارة الجماعة، مشيراً إلى أن الخطاب المرتبط بمعاناة المواطنين والأوضاع الاقتصادية يُستخدم -وفقاً لرؤيته- كورقة سياسية تُستدعى عند الحاجة إلى الحشد أو التصعيد.

ويستحضر "الجبرني" تجربة انقلاب الحوثيين عام 2014، حين رفعت الجماعة شعارات معارضة لقرار رفع أسعار الوقود وقدمت نفسها مدافعة عن حقوق المواطنين ومطالبهم المعيشية.

إلا أنه يرى أن الجماعة، بعد إحكام سيطرتها على مؤسسات الدولة، تعاملت بصورة مختلفة مع المطالب المتعلقة بالرواتب والأوضاع الاقتصادية في مناطق نفوذها.

وطبقاً للجبرني، فإن عودة الخطاب الحوثي للحديث عن الحقوق الاقتصادية والثروات في المرحلة الراهنة تأتي في سياق سياسي وعسكري أوسع، يتزامن مع مؤشرات متزايدة على استعدادات الجماعة لمرحلة تصعيد جديدة، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي.



المصدر: الهدهد

اقرأ الخبر كاملاً من المصدر الأصلي

إرسال تعليق

 
Top