لحج - سبأنت - عيدروس زكي السَّقَّاف تشرق الذكرى الـ 64 للثورة الخالدة، 26 سبتمبر 1962م، فجراً يمانياً سرمدياً، صاغ أحراره بدمائهم الطاهرة، أقدس وثيقةٍ للحُرِّيَّة والكرامة، وحطَّموا بها قيود العزلة، والظلم ليرسوا دعائم نظامٍ جمهوريٍ مجيد، انبثقت منه تطلُّعات اليمنيين، نحو الدولة الوطنية الحديثة، وقيم المواطنة المتساوية. واليوم، إذ تتوهَّج هذه المناسبة العظيمة في وجدان الوطن، تعود روح سبتمبر، لتستنهض الهِمَم والضمائر، بينما تخوض البلاد معركة وجودية مصيرية لمواجهة أعتى انقسامٍ سياسيٍّ، وعسكريٍّ، واقتصاديٍّ، فرضته ميليشيات الحوثي الإرهابية الانقلابية، منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء، ومؤسَّسات الدولة، في العام 2014 م، في ملحمةٍ اتَّحدت فيها إرادة الشَّعب اليمني، مع مساعي الحكومة الشرعية، لاستعادة مؤسَّسات الجمهورية، ووضع حدٍّ للتَّشرذم، وتثبيت أركان الدولة، تحت راية مرجعياتها الوطنية الشَّاملة. وأمام هذا التَّجلِّي التاريخي المهيب، تتجاوز الذكرى حدود الاحتفاء العاطفي، لترتقي إلى مقام الوقفة الوطنية الشُّجاعة، التي تُسائل الحاضر، وتستشرف المستقبل، طارحةً تساؤلاً ملحَّاً حول سُبُل حماية مرجعية الجمهورية، وتحقيق السَّلام المستدام، وبناء الدولة الجامعة. ومن هذا المنطلق السبتمبري الأصيل، أجرت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، هذا الاستطلاع بمحافظة لحج، لاستقراء آراء شخصيات من الأوساط السياسية، والتنفيذية، والمحلية، والنضالية، التي قَرَأَت إرث ثورة 26 سبتمبر، ورَبَطَت بين معاني الثورة، وتحدِّيات الرَّاهن، تجسيداً للمسؤولية التاريخية الوطنية، الملقاة على عاتق جميع اليمنيين، في استعادة دولة المؤسَّسات، والانتصار لروح الجمهورية، الباقية في الوجدان، عصيَّةً على طيِّ الزمن، ومحو الأثر: 26 سبتمبر عنوان الجمهورية يرى وكيل محافظة لحج لشؤون القبائل العميد عبدالفتَّاح هيثم، أن القيمة السياسية الأعمق لثورة 26 سبتمبر 1962م، تكمن في أنها نَقَلَت فكرة الدولة اليمنية، من إطار السلطة التقليدية، إلى مشروع جمهوري يقوم على مفهوم مختلف للحكم والمواطنة، فالثورة لم تكن مجرَّد تبديل في رأس السلطة، وإنَّما جاءت محمَّلة بتطلُّعات واسعة إلى بناء دولة عصرية، وإعادة صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وفتح المجال أمام اليمنيين للمشاركة في صناعة مستقبلهم، ومن هنا، فإن الجمهورية التي وُلِدَت في 26 سبتمبر، ليست مجرَّد ذكرى سياسية، بل أصل دستوري ووطني ينبغي أن تستمر الدولة في حمايته وتطويره. وقال \" أن استحضار ثورة 26 سبتمبر، في الظرف الرَّاهن، يفرض على اليمنيين قراءة العلاقة بين الثورة والدولة من جديد، لأن الخطر الذي يواجه الجمهورية اليوم، لا يتمثَّل فقط في استمرار الحرب، بل في بقاء مليشيات الحوثي الارهابي جاثمة على صدور ابناء الشعب اليمني وتحاول الانقسام المؤسَّسي، وتعدُّد مراكز النفوذ والسلطة\". واضاف \"في هذا السِّياق، يُبرِز الجهود الاستثنائية والحثيثة، التي يبذلها فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمَّد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي، في مجابهة الانقلاب، وتوحيد الصف الوطني\".. مشيراً إلى أن قيادة الشرعية تخوض معركة سياسية، ودبلوماسية، وإدارية واعية، لاستعادة المؤسَّسات، ولمِّ شمل القوى المناهضة للمشروع الحوثي، وتثبيت مرجعية الدولة، بصفتها المظلَّة الجامعة لجميع اليمنيين. ويشدِّد عبدالفتَّاح، على أن استعادة الدولة لا ينبغي أن تُفهَم باعتبارها خياراً عسكرياً فقط، ولا باعتبارها تسوية سياسية منفصلة عن جوهر المشكلة، وإنَّما باعتبارها مشروعاً وطنياً متكاملاً، تتضافر فيه الوسائل السياسية، والدبلوماسية، والعسكرية، والقانونية..مؤكداً ان السَّلام الذي يُنهِي الحرب مُرَحَّبٌ به، لكن السَّلام المستدام، لا يمكن أن يقوم على تكريس واقع الانقسام، أو الاعتراف بمراكز سلطة نشأت خارج مؤسَّسات الدولة، ولذلك فإن أي تسوية سياسية جادة، يجب أن تقود في نهايتها إلى دولة واحدة، وسلطة واحدة، ومؤسَّسات واحدة، وقرار سيادي واحد..مشددا ضرورة التفاف اليمنيون حول مشروع استعادة الدولة. سبتمبر بين الثورة والانقلاب والتَّحوُّل يؤكد مدير مكتب التخطيط والتعاون الدولي بمحافظة لحج الدكتور هشام السَّقَّاف، أن المقارنة التاريخية بين ثورة سبتمبر 1962م، وما جرى في اليمن منذ العام 2014م، تحتاج إلى قدر كبير من الدِّقَّة، لأن لكل حدث سياقه وفاعليه ونتائجه.. لكنه يرى أن هناك فارقاً جوهرياً في الاتجاه السياسي لكل منهما، فثورة 26 سبتمبر، ارتبطت بإعلان الجمهورية، وتغيير بنية الحكم، بينما أدى الاستيلاء المسلَّح على مؤسَّسات الدولة في العاصمة صنعاء، إلى تفكيك جزء كبير من البنية المؤسَّسية القائمة، وإعادة توزيع السلطة خارج إطار الدولة. ويتوقَّف الدكتور هشام، إجلالاً عند محطَّة تاريخية مفصلية، متمثِّلة في الدور العروبي والقومي الحاسم لجمهورية مصر الشقيقة، بقيادة الزعيم جمال عبدالنَّاصر، الذي شكَّل السَّند المتين والمصيري، لثورة 26 سبتمبر 1962م، ويؤكد أن الدعم المصري للثورة اليمنية، عسكرياً، وسياسياً، ومعنوياً، وميدانياً، لم يكن مجرَّد مساندة عابرة، بل كان معمودية دم وأخوَّة عروبية أسهَمَت في حماية النظام الجمهوري في مهده، وتثبيت أركانه ضد محاولات الإجهاض، وترسيخ قيم الانعتاق من عهود الاستبداد والإمامة. ويحذِّر الدكتور هشام، من التَّعامل مع التاريخ بطريقة انتقائية، ويقول: \"إن أي دولة قد تعاني من أزمات سياسية، أو مؤسَّسية، لكن معالجتها تكون عبر الإصلاح السياسي والدستوري، لا عبر إسقاط المؤسَّسات بالقوَّة، وإقامة سلطة بديلة\".. ويضيف أن هذا التَّفريق مهم جداً أمام الأجيال الجديدة، لتوضيح الفارق التاريخي والوطني، بين مشروع الثورة الوطنية، والانقلاب المليشياوي. واكد إن ذكرى ثورة 26 سبتمبر، تمنح المؤرِّخ فرصة لتذكير المجتمع، بأن الأحداث الوطنية الكبرى، لا تنتهي بانتهاء يومها، بل تستمر نتائجها في تشكيل الأجيال..لافتاً الى أن ثورة 26 سبتمبر، ستظل لحظة تأسيسية للجمهورية، تتطلَّب من اليمنيين اليوم، استعادة دولة المؤسَّسات، وتجاوز الانقسام. الدولة والوفاء لتضحيات الشهداء والمناضلين وقال عام فرع الهيئة العامة لرعاية أُسَر الشهداء ومناضلي الثورة اليمنية بمحافظة لحج محمَّد هوَّاش \"أن ثورة 26 سبتمبر 1962 م، أدرَكَت منذ بداياتها أن بناء الجيش، هو جوهر مشروع الدولة، وأن معالجة تداعيات الانقلاب الحوثي، الذي استهدف مؤسَّسات الدولة، تبدأ من دعم القوات الحكومية، وتوحيدها تحت قيادة وطنية مهنية، لإنهاء الانقسام، وإعادة الدولة إلى مسارها الطبيعي\". وتطرَّق هواش، إلى التضحيات الجسام، التي قدَّمها مناضلو ثورة 26 سبتمبر، وأحرار الرعيل الأول، الذين صنعوا فجر الجمهورية بدمائهم، امتداداً إلى أبطال القوات المسلحة، والأمن، الذين يذودون اليوم عن حياض الوطن..مؤكداً أن الوفاء العالي للشهداء، والجرحى، والمناضلين، لا ينبغي أن ينحصر في حدود التَّخليد المعنوي، والاحتفاء في المناسبات فقط، وإنَّما يتطلَّب استراتيجية وطنية دائمة، ترعاها الدولة، وتكفل من خلالها الرعاية الكاملة والشَّاملة لأُسَرهم وذويهم، عبر توفير الحياة الكريمة، والصحة، والتعليم، والرعاية الاجتماعية والمادية، باعتبار أن دماءهم هي الضمانة، التي أورثت اليمنيين حريتهم، وكرامتهم، والاهتمام بأُسَرهم، هو أسمى أمانة، في أعناق مؤسَّسات الدولة وقيادتها. ولا يرى محمَّد، تعارضاً بين القوَّة والسَّلام، بل يعتبر أن امتلاك الدولة لقوَّة وطنية منظَّمة، يستند إلى حاضنة وفيَّة لتضحيات شهدائها، ومناضليها، يمكن أن يعزِّز فرص الحل السياسي، بدلاً من إلغائه، كون التفاوض لإنهاء التَّمرُّد المسلَّح، يحتاج إلى ميزان قوى واضح، يحمي مخرجات التَّسوية، ويضمن ألَّا تتحوَّل الاتفاقات، إلى فرصة لإعادة إنتاج الصراع. واكد أن القوات المسلحة، ليست معنية باستعادة الأرض فحسب، بل بحماية مشروع الدولة، وصون مكتسباتها الوطنية، ولذلك، فإن نجاحها يرتبط بمهنية أدائها، وانضباطها، وبُعدها عن التَّجاذبات الحزبية، والمناطقية..مشيراً الى أن الجمهورية تحتاج إلى قوَّة تحميها، ومؤسَّسات تديرها، وإرادة سياسية توحِّدها، ووفاء مخلص للشهداء، الذين عبَّدوا طريق الحرية بدمائهم الزَّكيَّة.
المصدر: سبأ نت

إرسال تعليق