
يحلو لأنصار محافظ محافظة شبوة، الشيخ عوض بن الوزير العولقي، تسميته بـ"السلطان"، وهي تسمية لا يراها معارضوه مجرد لقب رمزي، بل انعكاساً لطريقة إدارته للمحافظة، إذ يتهمونه بالتصرف كما لو أنه يدير سلطنة العوالق العليا التي حكمتها أسرته تاريخياً في شبوة قبل استقلال جنوب اليمن عام 1967، لا محافظة يتولى إدارتها بصفته محافظاً معيناً بقرار جمهوري، يفترض به إدارة محافظة تتسم بتنوعها السياسي والاجتماعي والقبلي.
وبحسب منتقديه، فإن هذا النهج يفسّر الاتهامات الموجهة إليه بالإقصاء والتفرد بقرار المحافظة، وعدم استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي الذي تتميز به شبوة، وهو ما ظهر بصورة أكثر وضوحاً مع التحضيرات الجارية لمؤتمر الحوار الجنوبي الذي ترعاه المملكة العربية السعودية، حيث اختار محافظ محافظة حضرموت، سالم الخنبشي، تشكيل لجنة تحضيرية تضم مختلف الأحزاب والمكونات السياسية والاجتماعية والقبلية، في خطوة حظيت بقبول واسع باعتبارها تعكس التنوع القائم داخل المحافظة.
أما في شبوة، فيصرّ المحافظ عوض بن الوزير، بحسب معارضيه، على الدفع بـ"مؤتمر شبوة الشامل" الذي أسسه بعد توليه منصبه، ليكون الممثل السياسي للمحافظة في الاستحقاقات المقبلة، وهو ما أثار اعتراضات واسعة من أحزاب ومكونات سياسية واجتماعية وقبلية ترى أن شبوة لا يمكن أن تُدار بمنطق الوصاية أو التمثيل الأحادي، بل من خلال شراكة سياسية تستوعب جميع أبنائها.
بدأت ملامح هذا الخلاف تتضح بصورة أكبر مع تدشين "مؤتمر شبوة الشامل"، الذي يقوده المحافظ، إذ يرى مؤيدوه أنه إطار جامع يهدف إلى توحيد الصف الشبواني وإنهاء حالة التشتت التي عانت منها المحافظة خلال السنوات الماضية، بينما يعتبره معارضوه محاولة لتكرّيس مكون سياسي واحد ومنحه صفة الممثل الحصري لأبناء شبوة.
وخلال الاجتماع التنظيمي الموسع للمؤتمر، الذي ضم رؤساء لجان المديريات والمراكز وممثلين عن عدد من الفعاليات السياسية، أكد القائمون عليه أن هدفه يتمثل في تعزيز البناء التنظيمي وتوحيد الرؤى وترسيخ نهج الشراكة والعمل الجماعي لخدمة المحافظة وتحقيق تطلعات أبنائها.
إلا أن هذا الطرح لم يحظ بإجماع داخل شبوة؛ فقد اعتبرت أحزاب ومكونات "اللقاء التشاوري" استمرار المحافظ في فرض ما وصفته بـ"الوصاية السياسية" أمراً مرفوضاً، ووصفت "مؤتمر شبوة الشامل" بأنه امتداد لمرحلة المجلس الانتقالي الجنوبي، مطالبة المحافظ بالحياد ووقف خطاب التحريض، وداعية مجلس القيادة الرئاسي والمملكة العربية السعودية إلى التدخل لضمان الشراكة السياسية بين مختلف المكونات.
ولم يقتصر الاعتراض على الأحزاب السياسية، إذ أصدرت المجالس المحلية في عدد من مديريات محافظة شبوة بياناً أكدت فيه رفضها لأي توجهات تهدف إلى تهميش دور المؤسسات المنتخبة أو حصر القرار السياسي في المحافظة ضمن مكونات غير منتخبة، معتبرة أن ذلك يمثل إقصاءً لإرادة المواطنين وتغييباً لدورهم في تحديد مستقبل المحافظة.
وشددت المجالس على ضرورة احترام التعددية السياسية والاجتماعية، وتوسيع قاعدة المشاركة في الاستحقاقات القادمة، من خلال إشراك مختلف القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الاعتبارية، بما يضمن تمثيلًا عادلًا وشاملًا لأبناء المحافظة.
ودعت إلى تشكيل لجان تحضيرية في المديريات بإشراف المجالس المحلية المنتخبة، تتولى إعداد رؤى وتصورات خاصة بكل مديرية ورفعها ضمن رؤية موحدة تخدم مصالح محافظة شبوة وتعزز مبدأ الشراكة الوطنية.
كما أكدت أهمية إشراك كافة المكونات السياسية والاجتماعية دون استثناء في أي ترتيبات قادمة، بما يحقق توافقًا واسعًا ويحافظ على التمثيل العادل والمتوازن داخل المحافظة.
كما أعلن حلف أبناء وقبائل شبوة، برئاسة الشيخ علي بن دوشل، تبرؤه الكامل من المؤتمر، مطالباً بسحب اسم وشعار الحلف من جميع أدبياته ومواده الإعلامية.
وفي السياق ذاته، نفى حزب التجمع الوحدوي اليمني وجود أي فرع له في شبوة أو مشاركته في الفعالية التي نظمها المؤتمر، واعتبر استخدام اسمه وشعاره "انتحالاً واحتيالاً"، مؤكداً عزمه اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المنظمين. وبالمثل، أعلنت قيادات المؤتمر الشعبي العام بمحافظة شبوة نفيها القاطع لأي مشاركة أو تمثيل للمؤتمر في ما يسمى بـ"مؤتمر شبوة الشامل"، مؤكدة أن أي مشاركة تحت هذا المسمى لا تعبر عن موقف المؤتمر ولا تحظى بتفويض من قياداته الشرعية في المحافظة.
في المقابل، تدافع السلطة المحلية عن هذا التكتل، إذ قال الوكيل المساعد لمحافظة شبوة، سالم البابكري، إن المؤتمر يهدف إلى "توحيد الكلمة ورص الصف الشبواني وإنهاء حالة التشتت والتشرذم التي أضرت بمصالح المحافظة خلال السنوات الماضية".
غير أن منتقدي المحافظ يرون أن شبوة، بما تمتلكه من تنوع سياسي واجتماعي وقبلي، لا يمكن أن تُدار بمنطق الغلبة أو التمثيل الأحادي، وإنما من خلال صيغة توافقية تستوعب جميع الأطراف، على غرار ما جرى في حضرموت، حيث جرى تشكيل لجنة تحضيرية تضم مختلف القوى والمكونات استعداداً للاستحقاقات السياسية المقبلة.
وفي هذا السياق، برزت أزمة "مجلس شبوة الوطني" باعتبارها أحد أبرز مظاهر هذا الخلاف، بعد أن منع المحافظ المجلس من افتتاح مقره في مدينة عتق منتصف أبريل الماضي، مشترطاً انضواءه تحت مظلة "مؤتمر شبوة الشامل"، وفقاً لما أعلنه المجلس في بيان سابق.
يقول الأمين العام لمجلس شبوة الوطني، الدكتور ناصر بن حبتور، إن المجلس لا يعارض وجود "مؤتمر شبوة الشامل" بوصفه مكوناً سياسياً يمثل شريحة من أبناء المحافظة، إلا أن المشكلة، بحسب تعبيره، تكمن في "محاولات فرض الوصاية السياسية على أبناء شبوة وإقصاء المكونات السياسية والاجتماعية الفاعلة".
ويضيف في تصريحات لمنصة الهدهد أن الفكرة الشمولية لم تعد مقبولة في الجنوب بعد حلّ الانتقالي، ولا يمكن إعادة إنتاجها في شبوة من خلال تمكين مكون سياسي واحد ليكون وصياً ووكيلًا حصرياً للعمل السياسي.
وأوضح أن مجلس شبوة الوطني، إلى جانب بقية المكونات السياسية في المحافظة، دعا السلطة المحلية إلى قراءة واقعية للسياق العام والتخلي عن الفكرة الشمولية، من خلال تشكيل لجنة تحضيرية تعمل على تأسيس مجلس تنسيقي يضم كافة المكونات السياسية في المحافظة، بما يضمن تمثيلاً عادلاً لجميع المكونات ويوحد الرؤى بين أبناء المحافظة استعداداً للاستحقاقات السياسية المقبلة، وعلى رأسها مؤتمر الحوار الجنوبي.
وحذّر بن حبتور من أن فرض هذه الرؤية بالقوة قد يؤدي إلى انتقال الصراع السياسي إلى المجتمع وتجذره بطريقة انقسامية، الأمر الذي قد يتسبب في إلحاق ضرر بالغ بالنسيج الاجتماعي المتعايش في المحافظة، مشدداً على أن صون هذا النسيج يتطلب التعاطي بصورة واقعية مع التنوع داخل المجتمع واحترامه واستثماره بطريقة إيجابية تخدم المحافظة.
ولا ينظر بعض الباحثين إلى ما يجري في شبوة باعتباره خلافاً سياسياً عابراً، بل أن الأزمة تتجاوز التنافس التقليدي لتصل إلى صراع أعمق يتعلق بالهوية السياسية للمحافظة والجهة التي تمتلك حق التحدث باسمها وتمثيلها، حسبما يقول الكاتب عمر الحار.
وأوضح الحار في مقال له بهذا الخصوص أن المحافظ عوض بن الوزير استطاع خلال فترة قصيرة بناء حالة اصطفاف واسعة داخل المحافظة، مستنداً إلى حضوره الاجتماعي والسياسي، في وقت يرى فيه مجلس شبوة الوطني أنه ليس مجرد إطار سياسي منافس، بل مرجعية اجتماعية وسياسية معنية بالحفاظ على التوازنات التقليدية ومنع ذوبان قرار المحافظة داخل مشاريع سياسية أكبر.
وأشار إلى أن جوهر الأزمة يرتبط بمخاوف جزء من النخبة الشبوانية بشأن مستقبل القرار المحلي وحدود العلاقة بين شبوة والمشروع الجنوبي الذي يقوده المجلس الانتقالي، في حين يرى أنصار المحافظ أن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة جاء نتيجة حالة من الاستقرار النسبي واستعادة مؤسسات الدولة لدورها.
بدوره، يرى الدكتور ماهر عايض مقواس، أن التوتر القائم لم يعد مجرد تنافس سياسي، بل مواجهة بين رؤيتين مختلفتين لطبيعة تمثيل شبوة ومستقبل قرارها السياسي؛ رؤية تستند إلى شرعية السلطة التنفيذية، وأخرى ترى نفسها امتداداً للتوازنات التاريخية والاجتماعية للمحافظة.
وأضاف أن الخلاف يتعمق أيضاً حول علاقة شبوة بالمشروع الوطني، حيث تخشى بعض النخب من ذوبان القرار المحلي داخل مشاريع سياسية أكبر، بينما يرى آخرون أن المحافظة لا يمكن أن تبقى خارج التحولات التي تعيد رسم مستقبل البلاد.
ويخلص مقواس إلى أن ما تشهده شبوة اليوم ليس خلافاً عابراً، بل لحظة مفصلية تعيد اختبار العلاقة بين السلطة والنخب المحلية، وبين المشروع المحلي والمشاريع السياسية الأكبر، متسائلاً عمّا إذا كانت الأزمة ستعود إلى إطارها السياسي الطبيعي أم أن المحافظة مقبلة على إعادة رسم موازين القوى داخلها.
وحرصاً من منصة الهدهد على إتاحة الفرصة لعرض وجهة نظر السلطة المحلية بشأن القضايا المثارة في هذا التقرير، تواصلت المنصة مع وكيل محافظة شبوة، فهد الخليفي، الذي أبدى موافقته على الرد على الأسئلة المطروحة في وقت لاحق، إلا أنه لم يرسل إجاباته رغم مرور عدة أيام على التواصل معه.
كما تواصلت المنصة مع مدير مكتب الإعلام بمحافظة شبوة، حسين الرفاعي، للحصول على تعليق بشأن القضايا الواردة في هذا التقرير، لكنها لم تتلقَّ أي رد حتى وقت نشره.
وفي ظل الاستعدادات لمؤتمر الحوار الجنوبي الذي ترعاه الرياض، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتجه شبوة إلى نموذج يقوم على الشراكة والتوافق كما حدث في حضرموت، أم أنها ستواصل السير في مسار يصفه معارضو المحافظ بأنه احتكار للقرار وتمثيل أحادي لا يعكس التنوع السياسي والاجتماعي الواسع الذي تتميز به المحافظة؟
المصدر: الهدهد
إرسال تعليق