
في الحسابات العسكرية، يسهل خلط الاستيلاء على الطرقات بالقدرة على إخضاع المدن. فالتمدد الأخير لميليشيا الحوثي نحو مديريات الشمايتين والمعافر والمواسط في ريف تعز الجنوبي، بعد أحد عشر عاماً من استعصائها، يُقدَّم في صنعاء بوصفه نصراً استراتيجياً يطوي صفحة القلعة الأكثر تمرداً، ويضع الجماعة على مشارف باب المندب. غير أن القراءة السياسية الباردة لموازين القوة تقول عكس ذلك: الحوثي لم يكسب تعز بالحرب، بل تسلّم جغرافيا ملغومة بصفقات انسحاب مريبة وتواطؤ بارد، وستكون كلفة تثبيت السيطرة عليها وإدارتها أمنياً وسياسياً أعلى بكثير من عائد التقدّم العسكري. وما يبدو اليوم فتحاً في حسابات صنعاء قد يتحول غداً إلى صداع مزمن في رأس سلطة صعدة.
فالأرض التي تُؤخذ بالصفقات لا تمنح الغازي شرعية، بل تورّثه مقاومة كامنة. ولعل ما يثير الابتسام في المأساة اليمنية أن قيادة الحوثي قررت هذه المرة دخول قرى الحجرية بربطة عنق سياسية؛ فأعلنت «العفو العام»، وبدّلت فجأة أسطوانتها الدعائية المعهودة. فبدلاً من شعار «قتال الدواعش وأميركا وإسرائيل» الذي صدّعت به رؤوس الناس في محافظات أخرى، جمعت وجهاء القرى لتبلغهم أن المعركة هذه المرة مخصصة لـ«قتال العدو السعودي».
لكن هذا التسامح التكتيكي لم يصمد حتى صلاة الجمعة؛ إذ سرعان ما فرضت الجماعة خطباء عقائديين على مساجد قرى المنطقة، وحوّلت المنابر إلى إذاعات طائفية، بل ظهر مشرفهم يتوسط مشايخ وعدول بعض هذه المناطق وهم يرددون خلفه الهتاف الكهنوتي: «علي مولانا ولا مولى لكم، يا أهل السقيفة سوّد الله وجهكم»! فيما انشغلت ناشطات الميليشيا في صنعاء بتوديع المقاتلين المتجهين إلى تعز للاحتفال بهزيمة من وصفوهم بـ«أحفاد ابن ملجم وعبهلة العنسي».
للاطلاع على التفاصيل الكاملة يمكن زيارة المصدر الأصلي.
المصدر: الساحل

إرسال تعليق