بحث هذه المدونة الإلكترونية

عقوبات الزُبيدي.. تصعيد حكومي أم رسالة سعودية للإمارات؟

بعد ستة أشهر على هزيمة قوات المجلس الانتقالي في محافظة حضرموت، قررت الحكومة اليمنية فجأة التصعيد ضد المجلس ممثلاً برئيسه عيدروس الزُبيدي، إذ طالبت في مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات عليه، وهي الخطوة التي اعتبرها مراقبون بمثابة رسالة من السعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية، إلى الإمارات التي تدعم هي الأخرى الزبيدي، ويُعتقد أنه يقيم على أراضيها.

وخلال جلسة مجلس الأمن الأخيرة، ساقت الحكومة، عبر ممثل اليمن لدى الأمم المتحدة عبدالله السعدي، جملة من المبررات التي تدعم طلبها بفرض عقوبات على من تصفهم بمعرقلي جهودها لتطبيع الأوضاع واستعادة مؤسسات الدولة، وفي مقدمتهم الزُبيدي، الذي اتهمته بارتكاب الخيانة العظمى، وتبعاً لذلك أسقطت عضويته من مجلس القيادة الرئاسي وأحالته إلى المحاكمة، في حين اعتبر المجلس الانتقالي هذه الخطوة بمثابة تدويل لخلاف سياسي داخلي، دون أن يستبعد مسؤولية الرياض عن ذلك.

وتبع هذا التوجه تحرك من قبل النائب العام بالحجز على أموال وممتلكات تابعة للمجلس الانتقالي في البنوك المحلية، إضافة إلى ممتلكاته العقارية، في خطوة اعتبرها المجلس الانتقالي، الذي أعلنت مجموعة من قياداته المقيمة في الرياض في يناير الماضي موقفاً معارضاً، بمثابة استهداف لقيادته ومحاولة لفرض إملاءات عليه كي يقبل بخارطة الطريق التي اتفقت بشأنها السعودية مع الحوثيين، والتي يقول المجلس إنها تريد المضي بها قدماً.

وفي المقابل، أعلن المجلس، رداً على هذه الخطوات، تصعيداً ميدانياً من خلال فعاليات وتحركات في محافظتي عدن وحضرموت. وقال القائم بأعمال رئيس المجلس الانتقالي، وضاح الحالمي، إن هذا التصعيد يستهدف ما وصفها بـ"سلطات الاحتلال والوصاية السعودية"، مؤكداً أنها "لن ترى الهدوء بعد اليوم".

فما هي خلفيات هذا التصعيد؟ ولماذا أقدمت الحكومة على التحرك السياسي والقضائي في هذا التوقيت؟ وما علاقة السعودية بالأمر؟ وما هي الخيارات القادمة؟ وما الذي يمكن أن تسعى إلى تحقيقه في مقابل المجلس الانتقالي؟ هذه الأسئلة وغيرها يحاول هذا التحليل تفكيكها، وتقديم صورة شاملة من مختلف الزوايا.

بعد هزيمة قوات الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة في يناير الماضي، وما تبع ذلك من إعلان بعض قيادات المجلس من العاصمة السعودية الرياض مواقف مغايرة، ثم ما أعقب ذلك من خطوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بتكليف النائب العام تشكيل لجنة تحقيق مع الزبيدي في التهم المنسوبة إليه، وفي مقدمتها الخيانة العظمى والفساد والتمرد، مضى أكثر من ستة أشهر على تشكيل اللجنة، إلا أنها لم تعلن نتائجها بعد.

وكشفت منصة الهدهد، نقلاً عن مصادر قضائية، أن اللجنة حققت في معظم التهم، وبصورة خاصة قضايا الفساد، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة توجيه الاتهام أو الإحالة إلى المحاكمة. وربما يعود ذلك، بحسب المصادر ذاتها، إلى حسابات سياسية محلية أخرى مرتبطة بالرياض نفسها، وانطلاقاً من مقاربتها للأزمة بعد أحداث حضرموت.

وبينما كان يفترض، بحسب بعض الآراء، أن يتم استثمار الانتصار العسكري في حضرموت من خلال تعزيز مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة القوات المسلحة، ودمج تشكيلات المجلس الانتقالي في مختلف الوحدات العسكرية، وإجراء تغييرات في القيادات بحيث لا تكون مرتبطة بمشروع الانفصال، فإن الذي حدث هو تشكيل لجنة عسكرية برعاية الرياض، دون أن تصدر عنها أي نتائج تذكر.

كما استمرت التشكيلات المختلفة محتفظة بهياكلها الإدارية والتنظيمية والعسكرية ومناطق انتشارها الجغرافي دون دمج، ومن ذلك الوضع العسكري في محافظة عدن، إذ لا تزال العديد من الوحدات الأمنية والاستخباراتية تدين بالولاء للمجلس الانتقالي.

كما أن مقاربة رئيس مجلس القيادة الرئاسي لا تزال هي نفسها، حيث يحاول استيعاب المجلس الانتقالي داخل مؤسسات الدولة، وهو ما لم يفضِ إلى نتيجة إيجابية لصالح تقوية الدولة، بل على العكس، أفضى إلى تقوية المجلس الانتقالي على حساب الدولة والجمهورية برمتها وكاد يفضي عليهما في مطلع يناير، لولا تدخل السعودية، انطلاقاً من استشعارها الخطر على أمنها القومي.

ومنذ ذلك الوقت، بدا، من وجهة نظر مراقبين، أن الحكومة اليمنية وكذلك مجلس القيادة الرئاسي يعولان على الرياض للقيام بالمهام التي يفترض أن تتولاها الحكومة اليمنية، في وقت يقيم فيه معظم المسؤولين خارج البلاد.

وحاول قائد قوات التحالف في اليمن، فلاح الشهراني على مدى شهور في عدن، معالجة الأزمات الخدمية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه وصرف الرواتب وما إلى ذلك، وبدا وكأنه يقوم بدور الحكومة اليمنية، التي لم تستغل الوضع لتقوية مؤسسات الدولة وتعزيز حضورها، وهو ما سمح للمجلس الانتقالي بالتقاط أنفاسه واستعادة المبادرة من خلال إعادة هيكلة قيادته واستعادة جزء من نفوذه، بينما تغيرت المعادلة إلى أن أصبحت الحكومة في مربع الدفاع.

وفي الوقت الذي لم تنفذ فيه الحكومة قراراتها بإغلاق السجون السرية والإفراج عن المختطفين الذين يُتهم المجلس الانتقالي بالمسؤولية عن إخفائهم، لا يزال هذا الملف الإنساني المؤلم جرحاً مفتوحاً لآلاف الأسر. وبالمثل، لا تزال شخصيات أمنية واستخباراتية لعبت دوراً في انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الاختطاف والإخفاء القسري قد أُعيدت لتولي مهام أمنية، وهو ما يثير تساؤلات حول الحكومة، وما إذا كانت تسعى فعلاً إلى تغيير الوضع أم إلى إعادة إنتاجه بصورة أخرى.

ومن جهة أخرى، تعتمد الرياض سياسة الاحتواء لا الإقصاء؛ فمنذ اليوم الأول، طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي  من المملكة استضافة حوار للقيادات الجنوبية، بما في ذلك الشخصيات المحسوبة على المجلس الانتقالي، وقد استجابت واستضافت مجموعة من القيادات ووفرت لهم الإقامة مقابل تسويات مالية، إضافة إلى إعادة شخصيات أخرى جرى تهميشها في الفترة الماضية، وهي شخصيات ليست بعيدة عن المشروع الانفصالي الذي يتبناه المجلس الانتقالي.

وبحسب المعلومات التي حصلت عليها منصة الهدهد، فقد حصلت القيادة العسكرية للمجلس الانتقالي، من خلال لقاءاتها مع قيادات عسكرية سعودية، على تطمينات بأنه لن يتم تفكيك قوات الانتقالي، وأن الرياض ليس لديها توجه لإعادة هيكلتها إلا من الناحية الإدارية، وأن هذه القوات ستحتفظ بهيكلها كما هو، وحتى دون أن تسلم أسلحتها، مع الاستمرار في دفع رواتب أفرادها.

وهذه الخطوات تتوخى، بحسب فهم المجلس الانتقالي، استيعابه ليكون جزءاً أقرب إلى الرياض، أكثر مما تستهدف تفكيكه أو إضعافه أو ثنيه عن مشروعه الانفصالي وهذا ما جعله يرفع سقف مطالبه ويراهن على استراتيجية خلط الأوراق والتصعيد الميداني، الذي يعتقد أنه سيجبر الأطراف الأخرى على التفاوض معه والقبول به كأمر واقع.

ومن حيث التوقيت، ففي السياق المحلي، ترتبط هذه التحركات بالأوضاع الخدمية والاقتصادية المتدهورة، وفي مقدمتها تأخر صرف الرواتب لأشهر طويلة وارتفاع الأسعار، وهو ما دفع سكان هذه المحافظات إلى الاحتجاج، الأمر الذي يحرج السعودية التي أصبحت تتولى إدارة المشهد بدرجة كبيرة بعد تراجع الدور الإماراتي خلال الفترة الماضية.

فالغضب الشعبي لم يعد يرتبط بالحكومة اليمنية أو مجلس القيادة الرئاسي فحسب، بل بات موجهاً أيضاً نحو السعودية، وهو ما يضعها تحت ضغط سياسي وإعلامي متزايد، ويؤثر على صورتها لدى اليمنيين. وقد استغل المجلس الانتقالي هذه الاحتجاجات وحاول توظيفها سياسياً ضد الحكومة والسعودية، كما رفع سقف خطابه وذهب إلى وصف الوجود السعودي بأنه "سلطات احتلال".

وإلى جانب ذلك، هناك تحركات المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الذي أجرى اجتماعات، كما عادت الاجتماعات الثلاثية التي تضم الحوثيين والسعوديين وكذلك الحكومة اليمنية. وتفيد مصادر بأنه يُراد تحويل الهدنة ووقف إطلاق النار المستمر منذ عام 2022 إلى اتفاق يتماشى مع خارطة الطريق التي تفاهمت بشأنها الرياض مع الحوثيين بشكل منفرد.

وقد تأخر إعلان هذه الخارطة بسبب أحداث البحر الأحمر عقب حرب غزة، وما أعقب ذلك من تصنيف أمريكي للحوثيين، إلا أن الحديث عنها عاد مجدداً، لكون أحد بنودها يشمل دفع السعودية رواتب موظفي الدولة وفق كشوفات عام 2014، بما فيها المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي.

ومن المعروف أن المجلس الانتقالي، برئاسة عيدروس الزبيدي، يرفض خارطة الطريق هذه، ويرى أنها تخدم الحوثيين على حسابه، كما أنها تتضمن، بحسب رؤيته، منح الحوثيين حصة من موارد المحافظات الجنوبية والشرقية النفطية.

وربما تحاول الرياض، من خلال هذه الخطوات التي يجري تنفيذها عبر الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي، دفع المجلس إلى القبول بخارطة الطريق، كي تمضي قدماً في تنفيذها، وحتى لا يُنظر إليها في المجتمع الدولي على أنها تسوية تفتقر إلى الإجماع أو تواجه رفضاً من أحد أبرز الأطراف الفاعلة في المشهد اليمني.

وفي هذا السياق، تأتي مطالبة الحكومة اليمنية مجلس الأمن بفرض عقوبات على الزبيدي، إذ ينظر إليها على أنها تتجاوز شخص الزُبيدي، الذي لا يُعرف مكان وجوده على وجه الدقة، إلى كونها رسالة موجهة إلى الإمارات، لوقف دعمها للمجلس الانتقالي.

كما أنه في السياق الإقليمي، تأتي هذه التحركات بعد توقف الحرب بين إيران وإسرائيل وإعلان اتفاق أمريكي، وهي الحرب التي كانت قد جمدت، أو على الأقل أجلت مؤقتاً، الخلافات العلنية بين السعودية والإمارات في أكثر من ملف، وفي مقدمة تلك الملفات الملف اليمني. ومع توقف هذه الحرب، يبدو أن التصعيد عاد بشكل أو بآخر عن طريق الأدوات المحلية.

ووفقاً لمصادر خاصة تحدثت لمنصة الهدهد، فإن الإمارات لا تزال تطلب من المجلس الانتقالي التصعيد ميدانياً ورفض خارطة الطريق التي تتبناها السعودية، لأنها ترى أن هذه الخارطة ستؤثر على نفوذها في اليمن، وهو ما يتقاطع مع مخاوف المجلس الانتقالي نفسه.

وفي المقابل، وعلى الرغم أن الرياض استمالت عدداً كبيراً من قيادات المجلس، إلا أنها لم تنجح في جعل المجلس أقرب لرؤيتها في ظل بقاء قيادات تتبع أوامر الزُبيدي الذي تشير المعطيات الميدانية أنه لا يزال مؤثراً في المجلس الأمر الذي يجعل من الصعب تمرير أي خطة لا تحظى بقبول هذه الأطراف.

كما أن السعودية لا تستطيع إقناع المجتمع الدولي بدعم خطة تسوية يرفضها طرف رئيسي وفاعل في المشهد اليمني، إذ إن أي تسوية سياسية لا بد أن تتطلب إجماعاً أو توافقاً من مختلف القوى السياسية، وهو ما تدركه الرياض جيداً.

في ظل هذه المعطيات، تبدو جميع الأطراف وكأنها تستخدم ما لديها من أوراق لتحقيق أهداف سياسية، غير أن مسار الأحداث خلال الفترة المقبلة سيظل مفتوحاً على أكثر من احتمال. فمن جهة، قد يلجأ المجلس الانتقالي إلى مواجهة أي تصعيد سياسي أو قضائي من جانب الحكومة بتصعيد ميداني وشعبي، مستفيداً من حالة الاحتقان الشعبي وتدهور الخدمات الأساسية. كما أن توجه الحكومة نحو تجميد الأموال الموجودة في البنوك وشركات الصرافة المحلية قد يدفع المجلس إلى رفع سقف المواجهة، سواء عبر التحركات الميدانية أو من خلال خطاب سياسي أكثر حدة تجاه الحكومة والسعودية.

وفي المقابل، قد تنجح الحكومة والسعودية في احتواء الأزمة إذا تمكنتا من تقديم حلول عملية للأزمات الخدمية والاقتصادية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه وصرف الرواتب والحد من ارتفاع الأسعار، بما يسحب من المجلس الانتقالي أهم أوراقه السياسية والشعبية. فالمجلس يسعى إلى استثمار حالة السخط الشعبي للعودة إلى المشهد بقوة، وتحسين صورته، ونفي السردية التي ارتبطت به سابقاً باعتباره جزءاً من السلطة التي تسببت في تدهور الخدمات. كما يسعى إلى ترسيخ رواية مفادها أن الأوضاع ازدادت سوءاً بعد أن أصبح المشهد بيد السعودية بدرجة أكبر، وأن الفشل لم يعد مرتبطاً به وحده، بل أيضاً بالجهات التي تدير المشهد حالياً.

ومن ناحية أخرى، إذا استمرت السعودية في دعم التحرك القضائي ضد عيدروس الزبيدي على النحو الذي جرى في لجنة التحقيق، دون أن تفضي هذه الإجراءات إلى نتائج عملية أو خطوات ملموسة، فإن ذلك قد يصب في صالح المجلس الانتقالي أكثر من إضعافه. ففي هذه الحالة ستبدو الإجراءات مجرد قرارات سياسية أو قضائية تفتقر إلى القدرة على التنفيذ، وهو ما قد يمنح المجلس فرصة لتقديم نفسه كطرف مستهدف سياسياً، ويضعف صورة الحكومة ويقوّض أي جهود مستقبلية لتطبيع الأوضاع أو استعادة مؤسسات الدولة.



المصدر: الهدهد

اقرأ الخبر كاملاً من المصدر الأصلي

إرسال تعليق

 
Top