
بعد نحو شهر من إقرار الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً رفع سعر الدولار الجمركي ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية ومالية، لا يزال الجدل محتدماً حول جدوى القرار وتداعياته على الأوضاع المعيشية في بلد يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم. ففي الوقت الذي تراهن فيه الحكومة على زيادة الإيرادات وتعويض جزء من الخسائر الناجمة عن توقف صادرات النفط، يحذّر اقتصاديون من أن المكاسب المالية المحتملة قد تأتي على حساب المواطنين، عبر موجة جديدة من التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتآكل القدرة الشرائية، ما لم تُرفق هذه السياسات بإصلاحات أوسع تعالج الفساد والهدر وتوفر حماية اجتماعية للفئات الأكثر ضعفاً.
وفي 19 مايو الماضي، أقرت الحكومة حزمة إجراءات اقتصادية ومالية جديدة شملت تحرير سعر الدولار الجمركي للسلع غير الأساسية، ورفع أسعار وقود الديزل بنسبة 24.5 في المائة، إضافة إلى اعتماد بدل غلاء معيشة لموظفي الدولة بنسبة 20 في المائة.
وقالت الحكومة إن تحرير الدولار الجمركي، وهو السعر المعتمد لاحتساب الرسوم على الواردات، يأتي وفق آليات العرض والطلب، بهدف توحيد مصادر الإيرادات العامة، ومعالجة الاختلالات السعرية، وتعزيز كفاءة تحصيل موارد الدولة.
وشهد الدولار الجمركي في اليمن ارتفاعات متتالية خلال السنوات الأخيرة، إذ كان يبلغ 250 ريالاً للدولار الواحد، قبل أن يرتفع إلى 500 ريال عام 2021، ثم إلى 750 ريالاً في عام 2023، وصولاً إلى نحو 1550 ريالاً في مايو 2026، وهو أعلى مستوى له حتى الآن.
وبحسب تقديرات حكومية، فإن إيرادات الدولة من الرسوم الجمركية والضرائب والعوائد الأخرى بلغت نحو 698 مليار ريال خلال عام 2025، أي ما يعادل قرابة 443 مليون دولار بأسعار الصرف الحالية، وهو رقم لا يزال بعيداً عن عائدات النفط التي كانت تتجاوز مليار دولار سنوياً وتشكل ما بين 70 و75 في المائة من موارد الدولة.
قال الباحث الاقتصادي عبدالواحد العوبلي إن رفع سعر الدولار الجمركي قد يحقق زيادة محاسبية في إيرادات الحكومة، لكنه لا يضمن بالضرورة زيادة حقيقية ومستدامة، لأن جزءاً كبيراً من التكلفة سينتقل مباشرة إلى أسعار السلع، خصوصاً في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد مثل اليمن.
وأوضح العوبلي، في تصريحات خاصة لمنصة "الهدهد"، أن الزيادة في الإيرادات قد تتحول عملياً إلى عبء تضخمي يؤدي إلى إضعاف القدرة الشرائية للمواطنين وتوسيع حالة الركود الاقتصادي، مشيراً إلى أن المخاطر في الحالة اليمنية تبدو أكبر نظراً لاعتماد البلاد على الاستيراد لتوفير الغذاء والسلع الأساسية، في وقت يعاني فيه ملايين اليمنيين من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
وأضاف أن أي زيادة في تكلفة الاستيراد، سواء جاءت عبر رفع الدولار الجمركي أو الرسوم أو تراجع سعر الصرف، ستنعكس في نهاية المطاف على المستهلك، لا سيما الأسر محدودة الدخل التي تنفق الجزء الأكبر من مواردها على الغذاء والاحتياجات الأساسية.
وأشار العوبلي إلى أن الحكومة تستطيع من الناحية النظرية تخفيف الآثار السلبية للقرار من خلال توسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتقديم التحويلات النقدية المباشرة، ودعم السلع الأساسية، وإعفاء الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج من الزيادات الجديدة، إلى جانب تشديد الرقابة على الأسواق، وضبط الإنفاق العام، ومكافحة الفساد، وتحسين تحصيل الإيرادات غير الضريبية.
لكنه أكد أن نجاح هذه السياسات يتطلب قدرة مؤسسية عالية وتمويلاً كافياً ومستوى مرتفعاً من الشفافية، وهي عوامل ما تزال - بحسب وصفه - محدودة في ظل الأوضاع الحالية في اليمن.
ويرى العوبلي أن رفع الدولار الجمركي لا يمثل حلاً مالياً مستداماً، وإنما إجراء قصير الأجل لمعالجة أزمة السيولة وتراجع الإيرادات، محذراً من أن كلفته الاقتصادية والاجتماعية قد تكون أعلى من عوائده المالية إذا لم يأت ضمن حزمة إصلاحات أوسع تشمل توحيد الموارد، وترشيد الإنفاق، ومكافحة الفساد والتهرب، واستئناف تصدير النفط.
وأضاف أن المشكلة لا تكمن في الأداة المالية بحد ذاتها، وإنما في غياب الإصلاحات الهيكلية، معتبراً أن الحكومة "تحمّل المواطن تبعات فشلها وفسادها وعجزها عن معالجة الاختلالات الاقتصادية، فيما يدفع المواطن وحده ثمن القرارات الاقتصادية الجديدة".
من جانبه، قال الباحث الاقتصادي حلمي الحمادي إن قرار الحكومة رفع سعر الدولار الجمركي يمثل سلاحاً ذا حدين، إذ يحمل مكاسب مالية محتملة للخزينة العامة، لكنه في الوقت نفسه يهدد بتوسيع الضغوط المعيشية على المواطنين إذا لم ترافقه سياسات اقتصادية واجتماعية تخفف من آثاره.
وأوضح الحمادي في تحليل نشره عبر صفحته على منصة فيسبوك أن رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 114 في المائة قد يؤدي إلى زيادة الإيرادات الجمركية بنحو 375 مليار ريال سنوياً، شريطة استمرار حجم الاستيراد عند مستوياته الحالية، كما يمكن أن يسهم في الحد من التهرب الجمركي والفوترة المنخفضة التي تتجاوز، بحسب التقديرات، 35 في المائة من حجم التجارة الرسمية، وهو ما قد يقلص خسائر تقدر بأكثر من 150 مليار ريال سنوياً.
وأضاف أن من بين الآثار الإيجابية أيضاً تقليل اعتماد الحكومة على التمويل بالعجز أو السحب من البنك المركزي، وتعزيز مواردها الذاتية، خاصة في ظل استمرار توقف صادرات النفط وتراجع الإيرادات التقليدية للدولة.
وفي المقابل، حذر الحمادي من أن القرار ستكون له انعكاسات مباشرة على أسعار السلع، نظراً لاعتماد اليمن على الاستيراد لتغطية أكثر من 90 في المائة من احتياجاته الغذائية والاستهلاكية، متوقعاً ارتفاع أسعار السلع الخاضعة للجمارك بنسبة تتراوح بين 20 و35 في المائة، فيما قد ترتفع أسعار المواد الأساسية كالقمح والأرز والسكر والزيوت بنسبة تصل إلى 25 في المائة، إلى جانب زيادة أسعار الأدوية رغم بعض الإعفاءات الممنوحة لها.
وتبدو هذه المخاوف أكثر وضوحاً مع بدء ظهور مؤشرات عملية على ارتفاع تكاليف الاستيراد، إذ شهد منفذ شحن الحدودي خلال الأيام الماضية ارتفاعاً كبيراً في الرسوم الجمركية المفروضة على السلع الغذائية الأساسية. ووفقاً لمعلومات متداولة في الأوساط التجارية، ارتفعت جمارك ثماني قواطر من الطحين إلى أكثر من 82 مليون ريال، بعد أن كانت لا تتجاوز أربعة ملايين ريال سابقاً، فيما ارتفعت جمارك قاطرتين من الزيت من 12 مليون ريال إلى نحو 70 مليون ريال، وسط تحذيرات من انعكاس هذه الزيادات على أسعار المواد الغذائية في الأسواق المحلية.
وأشار إلى أن معدل التضخم قد يرتفع إلى ما بين 40 و45 في المائة خلال الفترة اللاحقة لتطبيق القرار إذا لم تُتخذ إجراءات اقتصادية موازية، كما أن ارتفاع تكلفة الاستيراد سيزيد الطلب على الدولار ويضغط على سعر صرف الريال، مع احتمالية اتساع ظاهرة التسعير بالعملة الأجنبية في بعض الأنشطة التجارية.
ولفت الحمادي إلى أن ارتفاع الرسوم الجمركية قد يؤدي أيضاً إلى انخفاض حجم الاستيراد الرسمي بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المائة، فضلاً عن ركود الأسواق نتيجة تراجع القوة الشرائية، وزيادة المخزون غير المباع، وتراجع أرباح القطاع الخاص، مع احتمال توسع التهريب إذا لم تتوافر رقابة فعالة.
وأكد أن التأثير الاجتماعي سيكون الأكثر خطورة، في ظل عدم حدوث زيادات حقيقية في رواتب موظفي الدولة منذ سنوات، حيث سيتسبب ارتفاع الأسعار في تآكل الدخل الحقيقي واتساع دائرة الفقر، مشيراً إلى أن أكثر من 80 في المائة من السكان يعيشون بالفعل تحت خط الفقر، وأن ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين شخص قد ينضمون إلى هذه الدائرة نتيجة التداعيات الاقتصادية للقرار.
وختم الحمادي بالقول إن المكسب الرئيسي للحكومة على المدى القصير يتمثل في زيادة الإيرادات، غير أن العبء الأكبر سيتحمله المواطن، مؤكداً أن نجاح هذه السياسة سيظل مرهوناً بقدرة الحكومة على توجيه الإيرادات الإضافية نحو تحسين الخدمات وتوفير الحماية الاجتماعية والحد من آثار التضخم على الفئات الأكثر ضعفاً.
وبين حاجة الحكومة إلى تعويض تراجع الإيرادات، ومخاوف المواطنين من موجة غلاء جديدة، يبقى السؤال الأهم: هل ستتحوّل الإيرادات الإضافية إلى خدمات وتحسينات ملموسة، أم أن اليمنيين سيدفعون مرة أخرى ثمن أزمة اقتصادية لم يكونوا سبباً فيها؟
المصدر: الهدهد
إرسال تعليق